حين تلوح أي بادرة حراك للإسلاميين تظهر مطالبات لهم بالطمأنة، ورغم الشرح الوفير تستمر التساؤلات وكأن هذا الشرح لا يُفَصِّلُ الحقيقة، ومن المعروف أنَّ الإسلاميين لم يسقطوا تاريخًا غير تاريخ المنطقة على أهلها, ولم يأتوا بنظام يخالف القيم والمعتقدات للمنطقة, وإنما هم من وإلى هذه المنطقة.
قبل قرن أو يزيد فرضت أفكار، وأسقط تاريخ الغير, ومصطلحات الغير, وإرهاصات ألم الغير, جميعها نُقِلت كما هي, وكأن المعاناة هي ذاتها التي نعانيها, وكأننا دين بلا شريعة, وكأننا بلا نظام, وكأننا بلا حضارة!
صحيح أنَّ المنطقة كانت ــ ومازالت ــ متخلفة مدنيًّا، ولم تسعف تلك الأفكار والرؤى التقدم المدني الذي أريد من أتباعها، غير أنَّ الناس انقسمت نتيجة ذاك الحراك ما بين منجرٍّ لا يفهم ولا يفكر إلا بما لُقّن به، وبين حائرٍ بين ما لُقن به في التعليم وبين واقعِ معتقده، وبين رافضٍ أن يأتي التقدم المدني والنهضة بالمستورد الجاهز من الأفكار.
خصوصًا وأن هذه الأفكار جاءت في قوالب جاهزة, وجعلت الأمَّة مختبر تجارب لها, مما أنتج صراعات مستمرة, وفساد المستخدمين للكلمات والأحلام عند توليهم السلطة, وهم راغبون في إشباع حاجاتهم وغرائزهم, يقاتلون الأمة على السلطة وكأنَّها مُنحت لهم من حيث جاءت أفكارهم, ودعم الغرب والشرق لهم, لأنهم يمثلون مصالحهم, ومن ملك هذا كله لا يهمه ما يحصل للشعب, ولا ما يعانيه, المهم أن تبقى مصالحه!
الإسلاميون هم من الشعب, ومعاناتهم من معاناته, ومعتقداتهم من معتقداته، وهم مدركون هذا الازدواج, ومدركون أيضًا الخوف المزروع مع التعليم في الصغر عن الإسلام والإسلاميين, فتجد الإنسان يجمع المتناقضات داخله ما بين إيمان بجزء ورفض جزء.
نوعٌ من التجهيل والتلقين, مُورِسَ على الناس, وعلى المنطقة, فمن الطبيعي أن تتخلَّف, لأنَّ مهمتها ليست النهضة بواقع الناس, وإنما تعظيم مصالح السادة الذين يحمون النظم الاستبدادية!
من ناحية أخرى فالإسلاميين يواجهون هذا الواقع المتخبط، الذي فيه نوع من المحاذير وليس الرفض, وإلا ما كانوا ليصلوا إلى السلطة في أية انتخابات!
إذًا فالمطلوب ليس تكوين الأفكار وإسقاطها كقوالب جاهزة للتطبيق, وإنما استنهاضها في النفوس ليجد الإسلاميون أنّ مطالبة واعية تأمرهم بما هو الصواب في المستقبل، فالمسألة هي كيفية إدارة العملية.
هنالك بعض المتشددين سيتصورون أنَّ استلام المهمة يعني بلوغ التمكين, وهذا ليس حقيقة؛ فالناس اختارت الإسلاميين ثقة في نزاهة, بعد أن عانت الفساد, وطلبا في التسامح بعد أن عذبت بالاستبداد، وفرصة لحلم يتحقق بعد أن كان وعود وأمنيات!
لابد أن يعلم هؤلاء المتشددون أنَّ فكرة بلوغ المجتمع لحالة مُثلى تأتي من جاهزية المجتمع, وعندها سينفذها هو دون حاجة لإصدار قوانين أو لوائح, لأنها ستنهض في نفوسهم هم, وهم من سيصلح حالهم مع زيادة الوعي والثقة بالمستقبل، فلسنا بحاجة لإصدار قرارات لمنع الخمور أو وقف ما هو جار الآن, وإنما الاكتفاء بعدم تشجيعه ودعمه, والنصح للناس بالتوعية السليمة, فسنجد أن هذه المحال ستتقلص وتتلاشى تدريجيًّا.. وهكذا في غيرها من الأمور.
إنَّ مهمة الإسلاميين هي مهمة دينهم الذي يحرر الناس من القهر والجبرية وحكمها, وليس فرض جبرية أخرى باسم آخر وعنوان آخر!
أما الطمأنة فهي ما ينادي به الداعمون السابقون للظلمة البائدين، وهو تخوف جاهل, ومضلل نفسه, فمصالح هؤلاء أضحت الآن ليس مع حكام فاسدين وإنما مع الشعب كله, وهي ترتفع ضمانتها كلما توجه الشعب لليقين، لن نكون نسخة مشوهة عنهم, بل صورة واضحة المعالم, بهوية تحترم نفسها وتحترم الآخرين.
سيتعرض الإسلاميون لانتقادات ومؤامرات لفرض الجبرية من الداخل والخارج.
فمن لا يفهم قيمة المرأة من خلال الصورة المعبرة في الحراك الإسلامي وهي رائدة قائدة للجمع، ويناقش عن ضمان لحقوق المرأة فكيف ممكن أن نلتفت له وهو لا يقتنع بما يراه والصورة خير معبر، من يشك في أن الإسلام يحمي الإنسان ومعتقده ولم نجد له اعترافًا مبكرًا بظلم المستبدين كيف سنوصل له أن غير المسلمين سيكونون أفضل حالاً من وضعهم تحت ديمقراطيات يدين غالب شعبها بدينهم..
إن الرؤية الجزئية عند هؤلاء وغيرهم لا تحتاج أن نبرر لها أو نبرهن لها أي شيء، ومن أراد خيره فليأتي ليبني لا ليهدم وليكن جزء من كفاءة المنظومة لا جزءًا من التحديات عليها.
ويمكن تلخيص ما سبق فيما يلي:
- دولة الإسلام دولة مدنية, وهو أمر واضح جدًا في السيرة، والمدنية هي جهد بشري وليس غربي أو شرقي، بل ملك إنساني عام لا يصنفه احد بمنهجه.
- الإسلاميون لن يجبروا أحدًا على أمر, لأن مهمتهم تحرير الناس من الحكم الجبري وتحرير عقولهم من هيمنة التعسف والفساد وليس إكراههم على أي شيء، فهم لا يطلبون الحكم وإنما يريدون الإصلاح بالحكم وفي الحكم, وإعطاء الناس مزيد من الخصوصية بعد أن تدخلت الدولة في كل أمر ــ وبطريقة سيئة ــ حتى وصلت غرف النوم.
- المرأة والرجل في الإسلام هما الإنسان, والمراقب المنصف يرى فاعلية النساء في الحركات الإسلامية مما يعطي صورة عن الفهم الإسلامي والذي يعتبر الغرب متخلفًا في نظرته عنه، لأن نظرة الغرب تشكلت عن المرأة وحصرتها بأنوثتها فقط رغم أنها لم تعطها حقها بالرعاية، أما الإسلام فنظرته لها كانسان له خصوصية واستقلال ورعايته لا تنقص من استقلاله بل تحفظه له.
- على من يريد فهم الإسلام فهمًا صحيحًا ألا ينظر إليه بموقف الحاكم, وإنما بنظرة المستطلع الذي يريد أن يفهم, وألا يتصور أنه قد بلغ الحالة المثلى, بل يبحث عن الحالة المثلى لكي ينصف نفسه أولا.
- من يطالبون بالضمانات، يخشون التغيير، فالغرب يوحي بالأمر لأنه لم يعتد التعامل مع هوية وشعب, ويفضل أن يكون مهيمنًا من خلال تابع بلا تفاصيل، وأما العامة والمستعبدون فكريًّا، فهم يخشون التغيير لأنهم لم يثوروا بعقولهم ونفسيتهم بل تحدثت حاجاتهم وتحركت للإشباع وليس للثورة, وهنالك فرق كبير بين الثورة وتغيير النظم وبين الانقلاب وإحلال ظالم جائع محل ظالم لا يشبع، والجميع سيتفاعل باحترام وإيجابية مع المسيرة لأنها للجميع.
- الإسلاميون لهم نظامهم الاقتصادي الناجح فعلاً في تعامله مع المجتمع ومدربون عليه، الذي لا يتضارب مع اقتصاد السوق, بل ربما سيهذب السيئات في النظام الحالي ويعظم الإيجابيات، وهم كنظام اجتماعي واضحون، وكنظام مجتمع واضحة مفاهيمهم وتطبيقاتهم، أما أن يكون هنالك سلبيات نتيجة الازدواجية بين ما أبرزه التعليم السابق عن الإسلام وبين واقعه فعلاً وفي نفوس الأكثرية, فهو أمر يعد تحديًا جادًا لابد أن يُلتفت إليه, فالناس تعلمت كثير من الأمور التي تعتقد أنها من الإسلام وما هي من الإسلام.
- إن السلام مع الإسلام أفضل للجميع, وكل محاولات اختراقه بأفكار وسلوك مازال جاريًا, مفضوح أمره وغاياته, فلم يعد لهذا المنهج من سبيل ومن بدأه يصلحه.
تلك نصيحة للمتذاكين من أصحاب المصالح
نقلا عن